محمد باقر الملكي الميانجي

46

مناهج البيان في تفسير القرآن

أقول : يكفي في بطلان هذا الوجه أنّ المثل لكيفيّة إحياء الموتى لا يكون رؤية لإبراهيم عليه السلام لكيفيّة الإحياء ، فإنّ المثل إنّما يتوسّل به المتكلّم في مقام الإفادة ، وتقريب انتقال المخاطب إلى مراده ، وغاية ما يدلّ عليه المثل هو العلم والفهم العاديّ للمتعلّم والمستمع العادي ، فإبراهيم عليه السلام أجلّ شأنا وأرفع مقاما من أن تلقّن له كيفيّة الإحياء بالمثل ، وقد كان عالما به من طريق الوحي ومن طريق الاستدلال ، وقد أراه اللّه - تعالى - ملكوت السماوات والأرض بنصّ القرآن ، وما كان محتاجا بالعلم الحاصل من ضرب الأمثال . على أنّ هذا لا يجوز أن يكون مثلا لإرادة اللّه - سبحانه - وتحقّق الحياة بكلمة التكوين ، فإنّ الحقائق المنزّهة عن الكيفية والمتعالية عن الطور لا يمكن أن يعلم بالمثل ، فإنّ المثل لا يكون إلّا بالتشبيه والتقريب وإيجاد المناسبات بين المثل والممثّل ، وإذا كان الممثّل منزّها عن المثل والشبه ، والتصوّر والتعقّل لا يبقى للمثل معنى . وما نحن فيه من هذا القبيل . ثمّ إنّه لا يخفى على أولي البصيرة والإنصاف أنّ القرآن الكريم قد صرّح في موارد بإحياء الموتى ، بأمر اللّه سبحانه إقامة للحجّة وآية للناس وكرامة لبعض أوليائه ، وأشهدهم وأراهم في الدنيا أنّه كيف يحيي الموتى ، فممّن عاين كيفيّة استفاضة بعض الأموات الحياة من اللّه - سبحانه - إبراهيم الخليل وعيسى والّذي مرّ على قرية سلام اللّه عليهم . فهذا حجّة على سائر الخلق ، وآية قاطعة لعموم الناس ، فلا يبقى للمؤمنين بالقرآن موقع ترديد وتشكيك في أمر المعاد ، إذ وقوع شيء أدلّ دليل على إمكانه ، فهذه الآيات صريحة في إبطال الفرضيّات الّتي زعموها من استحالة المعاد وعود الأرواح على الأبدان . فلا يجوز تأويل هذه الآيات البيّنات بأنّ المعاد في المعاد هو البدن المنشأ بإنشاء النفس وأنّه مجرّد عن المادّة ، متوسط بين العالمين ، جامع للتجرد والتجسّم ، مسلوب عنه كثير من لوازم هذه الأبدان الدنيويّة ، إذ البدن الأخروي كظلّ لازم للرّوح وكحكاية ومثال له ، بل هما متحدّان في الوجود بخلاف هذه الأبدان المستحيلة الفاسدة ، وأنّ الدار الآخرة وأشجارها وأنهارها وغرفاتها ومساكنها ، والأبدان الّتي فيها ، كلّها صور إدراكيّة